الاثنين، 1 يونيو 2009

الزميل محمّد فوراتي: هل من مجيب ؟؟؟

هل من مجيب ؟؟؟
أخيرا وصل الشقاق والخلاف إلى النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، بعد نشر تقريرها عن الحريات الصحفية، الذي يصدر كل سنة بمناسبة اليوم العالمي للصحافة. وتناقلت وسائل الإعلام مشهد العنف اللفظي، والتهديد بالاعتداء. ثم توالت الأحداث متسارعة ليبدأ فريق "الموالاة" بترويج عريضة لسحب الثقة من المكتب التنفيذي، والدعوة إلى مؤتمر استثنائي. كما أعلن ثلاثة من أعضاء المكتب استقالتهم بالفعل مسايرة لنفس المشروع، الذي يبدو أن بعض الأطراف تصر على تنفيذه حتى النهاية.لقد كانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين حلما لأجيال متعاقبة من الإعلاميين، وكانت نتاجا طبيعيا لنضالات وتضحيات كبيرة دفعها الكثير من زملائنا، كما كانت ولادتها عسيرة، بعد ممانعة وصدّ من الحكومة طال لسنوات. وساهم في تحقيق هذا الحلم نضال عدد من الزملاء في نقابة الصحفيين المستقلة التي التحق أعضاؤها بالنقابة الوليدة إيمانا بنبل المشروع، وضرورة التوحد لتحقيق المطالب المادية والمهنية. وقد كانت الفرحة واسعة في الداخل والخارج بتأسيس هذه النقابة الحلم، وخاصة بعد فوز مكتب تنفيذي مستقل، يضم ألوانا مختلفة تمثل الطيف الصحفي التونسي.من الطبيعي جدا أن تعمل السلطات على عرقلة مشروع نقابة مستقلة للصحفيين، وأن تسعى بكل الوسائل لإلحاقها بعشرات الجمعيات والنقابات التابعة، التي لا رسالة لها إلا إصدار برقيات التأييد والمناشدة. ولكن من غير الطبيعي والمنطقي أن يصطف عشرات الصحفيين في مشروع تخريب النقابة، أو تقسيمها، أو حلها، أو شغل أعضائها بصراعات داخلية، تستنزف طاقتهم النضالية مقابل بعض المنافع الشخصية (التافهة).فالحكمة تقتضي من هؤلاء، حتى وإن كانت لهم وجهة نظر أو منافع يريدون تحقيقها، أو ضغوط يخشون وطأتها، أن يحافظوا على هذا الحلم الذي هو حلم الجميع، وهو الهيكل الذي سيمثلهم ويمثل مصالحهم، ومصالح الأجيال القادمة من الصحفيين. فليختلفوا مع هذا المكتب أو مع من سيأتي بعده، فهذا في نظري أمر طبيعي، ولكنهم يجب أن يدركوا أن تآمرهم على النقابة واستقلاليتها هو تآمر على أنفسهم، وعلى مصالحهم. فمن يحركهم سيحرك غيرهم ويتخلى عنهم في يوم من الأيام.لقد قرأت الكثير من المقالات التي تلقي بكل اللوم على النقيب ومن معه في المكتب التنفيذي، والتي تنشر تباعا في الصحف اليومية والأسبوعية، في تحامل واضح على التيار المستقل، وانتصار لتيار "الموالاة" داخل الجسم الصحفي. ولم أجد فيها ما يقنع، إذ لا تتعدى كونها ليّا لعنق الحقيقة، والإصرار على الحفاظ على الوضع المتعفن كما هو دون تطور. فهل يمكن أن ينكر أحد بأن وضع الكثير من الصحفيين اليوم هو في أدنى السلم على المستوى المادي والمعنوي؟ وهل يمكن أن نقول إن حرية التعبير والإعلام على أحسن حال، في الوقت التي تسير فيه الصحف المكتوبة والإعلام المرئي والمسموع على نفس الإيقاع الواحد، وفي الوقت الذي تمارس فيه سياسة الترغيب والترهيب على الصحفيين، وسياسة التجويع على كل من يسمح لقلمه بأن يكون حرا أو مستقلا؟اطلع الكثيرون على تقرير النقابة عن الحريات الصحفية الصادر هذه السنة، ولم يكن فيه ما يختلف عن تقارير جمعية الصحفيين السابقة، بل هو أضعف. فلماذا إذا كل هذا الغضب من قبل جماعة "الموالاة"؟ أليس من دور كل نقابات الصحفيين في العالم أن تتحدث عن الانتهاكات والنقائص والثغرات في حرية التعبير؟ أليس من دورها أن تتحدث عن التجاوزات التي تحدث ضدّ الصحفيين وتدافع عن حقوقهم المادية والمعنوية؟ أم أنه يراد لنقابتنا أن يكون لها دور آخر؟ ثم هل كذب التقرير في الوقائع والأحداث التي سردها؟ وإذا كانت هناك وقائع مكذوبة فلماذا لم يرد عليها الجماعة بالحجة والبرهان؟ بل حتى سلطة الإشراف لم تكذبها ولم ترد عليها.إن هذا الصراع المفروض على استقلالية النقابة، والذي أصبحت غاياته والأصابع التي تحركه واضحة، لا يشرف الصحفيين التونسيين وتاريخهم، ولا يخدم مصالحهم، بل لن يكون في صالح أحد، لأن سقوط النقابة مرة أخرى في التبعية، تعني نكسة كبيرة للمشهد الإعلامي التونسي، ونقابة تابعة هي بالضرورة نقابة ضعيفة، ولا يمكنها أن تمثل الصحفيين أو تدافع عنهم أو تستقطبهم، أو تساهم في تطوير المشهد الإعلامي.إن الواقع الراهن يتطلب من كل صحفي يحمل قلما أن يقف مع وحدة النقابة واستقلاليتها عن الجميع، سلطة ومعارضة وأي قوة في العالم؟ وأن يكون ولاء الصحفيين قبل كل شيء لكرامة الصحفي التونسي، ومكانته في المجتمع، ولميثاق الشرف، وللحرية التي بدونها سنفقد كل مكتسباتنا. وتتطلب هذه اللحظة الراهنة التي أصبح فيها مشروع النقابة مهددا أن نغلّب منطق الحكمة والعقل، وأن نجلس إلى طاولة الحوار لنجد الآليات الممكنة لتسيير ديمقراطي لهذا المكسب الثمين، الذي إذا خسرناه سنندم جميعا.
محمد فوراتي

ليست هناك تعليقات: