السبت، 17 مارس 2012

رأي في ادراج الشريعة في الدستور

الشريعة الإسلامية في الدستور :

مشكل الحاكمية، و مفارقة دمج الثابت في المتحوّل

يطالب عدد من التونسيين بضرورة اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا في التشريع والتنصيص على ذلك في الدستور، لذلك توجّهوا للتظاهر أمام المجلس التأسيسي.

الفكرة، واضحة وتقول إن الاسلام هو دين هذه البلاد وإنه من الضروري ألاّ تكون القوانين المنظمة للحياة العامة والأحكام المحدّدة للحياة الخاصة منافية للشريعة الاسلامية.

فما المقصود بالشريعة الاسلامية؟

المفكر الاسلامي محمد عمارة يعتبر الشريعة دينا وليس دنيا، وقد ورد في لسان العرب شرع الواردُ يَشْرعُ شرعا وشرو عا: تناول الماء بفيه، والشريعة والشِرَاعُ والمشْرَعةُ: المواضع التي يُنحدّرُ الى الماء منها.

وشُرّعَت الدابةُ: صارت على شريعة الماء والشريعة والشِرْعَةُ: ما سنّ اللّه من الدين وأمر به كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البرّ ومنه قوله تعالى: «لكلّ جعلنا منكم شِرْعةً ومنهاجًا».

وقال محمد بن يزيد: شرعة معناها ابتداء الطريق، والمنهاجُ الطريق المستقيم وقال ابن عبّاس: شرعة ومنهاجا سبيلا وسنّة، وقال قتادة: شرعة ومنهاجًا الدين واحد والشريعة مختلفة.

وبهذا المعنى، فإنّ الشريعة هي منهاج وطريق للدين والدنيا.

والشريعة تختلف عن الفقه، إذ الأولى هي الثابت والفقه هو الرأي والتأويل والقراءة والاجتهاد، وبالتالي المتحوّل والشريعة هي الوحي، أي ما شرّع اللّه إنها القرآن والسنّة ومن علماء الدين من يضيف الاجماع والقياس.

مع الاشارة الى أنّ القياس هو أداة منطقية نجدها عند الاغريق، وقد عرفت الانسانية جيّدا القياس الأرسطي، عندما نتحدث عن نتائج واردة من مقدمة كبرى ومقدمة صغرى، كأن نقول كل إنسان هو فان ـ سقراط هو انسان ـ إذن سقراط هو فان، وهي المعادلة المنطقية المعروفة، رغم الخطإ الشكلي في هذه المعادلة، وهو ليس مجال حديثنا.

إننا أمام قيم وأحكام دينية، منها ما يتعلق بالعبادات ومنها ما يتعلق بالمعاملات مثل شؤون الأسرة والزواج والمواريث وأحكام الجزاء والعقاب، والحدود التي مثلت موضوع اختلاف حدّ الخلاف، عددا ونوعا، مثل السرقة وعقابها قطع اليد، وفقا لشروط يحدّدها علماء الشرع والقذف، ثمانين جلدة والزنا مائة جلدة وحدّ الحرابة بالصلب والقتل أو النفي وهناك من يضيف حدّ الردّة عن الدين ولكن الأمر موضوع خلاف.

وما دام هناك عدد من التونسيين يريدون التنصيص على الشريعة الاسلامية في الدستور. فما الدستور؟ حسب جلّ الدراسات القانونية والسياسية فإن كلمة دستور تعود الى الأصول الفارسية وتعني الأساس أو القاعدة.

ويمكننا أن نجد أصولا لاتينية لكلمة الدستور constitution وهي كلمة مركبة من Cum وتعني المجموع وStatuo وتعني الثبات أو الانشاء أو الاصلاح والوضع...

وقد استعملت كلمة دستور في السياق السياسي لتأخذ معنى عاما، رغم الاختلافات الحادة في اعطاء مفهوم نهائي بأنه هو مجموع القواعد الأساسية التي تحدّد شكل الدولة وترسم قواعد الحكم فيها وتعطي الضمانات لحقوق الأفراد والجماعات وأصبحت الدساتير في المجتمعات ما بعد دولة الاقطاع، تحدّد كعقد اجتماعي بين المواطنين في نفس الدولة والدستور أصبح أعلى مرتبة في هرم القوانين، ويتمّ سنّ الدستور بناء على توافق المواطنين على من يمثلهم في مجالس نيابية أو بشكل مباشر.

فالدستور في هذا الاتجاه هو من وضع البشر، وبذلك نجد أنفسنا في السياق التاريخي، لما يعنيه من تحوّلات اجتماعية وسياسية واقتصادية... وما لذلك من تأثير وانعكاسات على القيم وأمام تاريخية هذه القيم، فإننا نتحدث حتما عن نسبيتها، وبالتالي تغيّرها من مكان الى آخر ومن زمان الى آخر، بمعنى أنه توجد بعض القيم المتبعة مثلا في العراق أو السعودية تختلف أساليب التعامل معها في تونس أو الجزائر، هذا على مستوى المكان. أما على مستوى الزمان فهناك قيم كانت تحظى باجماع في القرن التاسع عشر أصبحت اليوم موضوع تندر أو حتى إدانة.

إذن، في المجال السياسي نحن بصدد التعامل مع رؤى بشرية يمكن أن تصيب ويمكن أن يصيبها الغلط. وعليه، فنحن أمام مجالين مختلفين، مجال الشريعة وهو مجال القدسية والثبات، ومجال الدستور وهو مجال وضعي بشري متحوّل متغيّر نسبي غير مقدّس.

الحكم في الشريعة لا يكون لغير اللّه، يقول تعالى «إنّ الحكم إلاّ للّه، أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه»، ويقول اللّه تعالى «ولا يشرك في حكمه أحدا» وفي الحالة الراهنة، وهي الدعوة بالضغط من أجل التنصيص على مرجعية الشريعة الاسلامية، باعتبارها المرجع الأوحد والوحيد للتشريع في الدستور، يعني أننا نؤكد على أنه لا حاكمية إلاّ للّه.
في 23 أكتوبر 2011، انتخب أبناء الشعب التونسي من سيمثلهم في المجلس الوطني التأسيسي، ليكون سلطة تأسيسية لدولة الثورة التي أسقط أبناؤها الديكتاتورية والطغيان ولسنّ دستور يضمن حرية هذا الشعب، وفوّض لأعضاء المجلس التأسيسي بأن يكتبوا لنا دستورا.

فالمشرّع في هذه الحالة هم أعضاء المجلس التأسيسي، وبالتالي انتخب أبناء الشعب مجلسا للتشريع، فنحن إذن سنكون في منطقة وضعية لها منطقها التاريخي وهي نتاج لحالة سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية.

بمعنى أنّ المشرّع في المجلس التأسيسي، حتما لو كان في زمن غير هذا الزمن، أي لو كان في تاريخ غير هذا التاريخ، سوف يكون مختلفا في رؤياه عمّا هو عليه راهنا.

إذن نحن أمام سياق متغيّر غير مقدّس، هو مدني سياسي وضعي، وهي الحالة الراهنة في تونس أثناء حديثنا عن الدستور، الذي سوف ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم أي علاقة من سيختاره المواطنون ليزع بعضهم عن بعض، فالحاكمية هنا للوازع، سواء كان المجلس التأسيسي أو الحكومة أو مجلس النواب... أو غير ذلك... وكلهم بشر، فالحكم بهذا المعنى هو للبشر، والحاكمية له.

ومن خلال تلك المنطلقات، فإنّ من يختار الشريعة منهاجا، لا يختار من غير اللّه حاكما، وبالتالي لا يمكنه منطقا ولا واقعا ولا تاريخا أن ينخرط منذ البداية في مسار انتخاب المجلس التأسيسي وفكرة سنّ دستور لتحديد ماهية الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم.

وبالتالي، فإن مطالبة المجلس التأسيسي بتضمين الدستور أصول التشريع من الشريعة، هو أمر لا يستقيم، فالتمسّك بالشريعة، يغني الماسك بها عن الذهاب الى دستور يسنّه أعضاء المجلس التأسيسي، وعليه تكون مطالبة المجلس، هو اعتراف بحاكميته، وهم بشر، وبالتالي اعتراف بغير حاكمية اللّه وهنا مكمن المفارقة.

ومن ناحية ثانية، فإن الشريعة هي المقدّس، الثابت، المستند الى حاكمية اللّه، والدستور هو المتغيّر الخاضع للتحول والتاريخ وهو غير المقدّس، البشري، المستند الى حاكمية البشر، أو ما يعرف بالديمقراطية، المركبة من كلمتين لاتينيتين وهما ديموس، وكراتوس، أي الحكم للشعب.

فكيف نضع في دستور متحول غير مقدّس شريعة ثابتة مقدّسة، وكيف نضع حاكمية اللّه، في حاكمية البشر؟

إنها المفارقة.

لذلك أعتقد بأن المطالبة بالتنصيص على الشريعة أساسا وحيدا للتشريع في الدستور التونسي، هو قول متهافت غير مؤسّس نظريا، ويتضمّن مفارقة، استتباعاتها ستكون في غير صالح من يقول بالشريعة، وفي غير صالح من يقول بالدستور.

منجي الخضراوي

دولة بلا هوية ولا لغة ولا دين

دولة بلا هوية ولا لغة ولا دين

من المسائل التي تثير جدلا في الأوساط السياسية والفكرية، منذ الثورة هي تحديد هوية الدولة وبالتالي تحديد ركائز تلك الهوية، منذ الفصل الأول للدستور.

عندما نطرح مسألة الهوية، فإن ذلك يعني أننا نبحث عن الثابت فالهوية بمعنى ما، هي ما لا يمكن أن يكون خلافا لما هو عليه، أي ما هُوَ هُوَ، أي الشيء الذي يظل كما هو، ولا يمكن أن يكون ما ليس هو، أي لا يمكن أن يكون غيره، وهو ما يعني أنه يمثل حالة الثبات. فما هو الثابت، الذي لا يمكنه أن يكون خلافا لما هو عليه؟
بمعنى آخر ما هو الشيء الذي لا يتغيّر؟

فالثابت هو غير القابل للتغيير، والثابت من منطلق الهوية، هو غير الخاضع للزمان وللمكان، فالتغيّر والتغيير، لا يكون إلا داخل الزمان وفي مكان، وبالتالي، لا تغيير إلا داخل التاريخ لأن التاريخ هو حركة الزمان في المكان.

إذن أبرز خصوصية للتغيير واللاثبات هو «الانوجاد» (أي الوجود الذاتي) خارج التاريخ وعدم الخضوع لمنطق التغيير وبالتالي عدم الخضوع لمنطق الزوال والفساد بمعنى الفناء.

فالثابت، هو الخارج عن التاريخ وغير الخاضع وبالتالي يمكننا أن نستنتج أن الخارج عن الزمان وعن المكان وغير الخاضع للزوال والفساد والفناء، لن يكون غير المطلق.

والمطلق بهذا المعنى، إما أن يكون قد وُجد قبل الزمان أو هو من خلق الزمان وبالتالي يكون قد أوجد نفسه بنفسه أي أن وجوده لا يحتاج لغيره. إذن تصبح الهوية هي المطلق الخارج عن الزمان.

فما الذي يمكن أن يمثل هوية / مطلقا يكون منطلقا في الدستور.

أعتقد أننا إزاء مغالطة.

ربما طرح الموضوع من زاوية الماهية، أي ماهية الدولة، قد يكون أكثر دقّة، فالماهية وهي بيان حقيقة الشيء وذاته التي تخصّصه وتغطيه تميّزا عن غير أو عن خلافه.
كالقول ما هو الانسان أو ما هي البلاد؟

وعندما نقول ما هي تونس بالنسبة إلينا كتونسيين، فإننا نبحث عن المحمول الذي ميّز تونس البلاد عن غيرها أو يعرّفها تعريفا جامعا أو تجميعيا.

ولنبدأ بالمسلمات ونبحث عما يستتبعها وجوديا ثم فكريا ثم على مستوى الممارسة والقيم وبالتالي السياسة والأخلاق.

المسلمة الأولى: إن الناس، في هذه الأرض التي اسمها تونس يتكلمون العربية.

إذن لغتهم العربية.

والمسلمة الثانية: ان أغلبية المتكلمين للعربية من أولئك الناس هم مسلمون، فالاسلام دينهم.

والمسلمة الثالثة: تقول إن أولئك الناس، يعيشون على أرض واحدة اسمها تونس ولهم لغة جامعة هي العربية ولهم تاريخ واحد، فهم إذن شعب.

ولاستتباع تلك المسلمات لا بد من إيجاد فرضيات ونبحث عن مدى انطباقها واقعا.

أبرز هذه الفرضيات، أن أولئك الناس الذين يكونون شعبا ويعيشون على أرض اسمها تونس ولغتهم العربية ودينهم الاسلام، يريدون العيش مع بعضهم بعضا في سلام ودون قتال، فهم يريدون التعاقد فيما بينهم ويختارون وازعا يزع بعضهم عن بعض يختزلون فيه قوّتهم وإرادتهم لضمان تواصلهم وبقائهم دون تناحر.

الواقع السياسي والتاريخي يفيد بأن الدولة هي الماهية الثانية لتلك المجموعة البشرية أي للتونسيين.

وإن التعاقد فيما بينهم والعقد هنا هو الدستور ـ هو ما يجعلهم مواطنين، وللمواطنين وطن.

اما الفرضية الثانية، فإنهم يريدون الاتفاق على ذلك العقد رغم اختلاف وجهات النظر بينهم.

بمعنى أنهم يبحثون عن الوحدة التي تشمل الكثرة، أي النظام أو الأسلوب السياسي الذي يجمعهم ويوحدهم رغم اختلاف وجهات النظر.

أي البحث عن دولة ناتجة عن تعاقد بين مواطنين في وطن يستوعب الاختلاف، وهي ميزة الدولة المدنية أي الدولة التي يكون فيها التعاقد (الدستور) نتاج اتفاق قوى مدنية، لتنظيم علاقات الناس باعتبارهم مواطنين.

فنحن إذن أمام جمهورية يختلف فيها الناس ويسنّون أحكامهم وقوانينهم فيما بينهم، ويحتكمون فيها إلى بعضهم بعضا لاختيار الوازع الذي يزع بعضهم عن بعض وهو ما يسمى بالحاكم المنتخب من قبل الشعب، ليحكمه من خلاله وعبره. وهذا هو المفهوم الحديث للديمقراطية.

ويعتبر المواطنون في هذه الجمهورية أن دولتهم مستقلة وحرة وديمقراطية، وبالتالي، إذا أردنا القيام بعملية تركيب لما تم تفكيكه، فإنه يمكننا أن نقول «إن تونس دولة حرة مستقلة، لغة شعبها العربية ودينه الاسلام، ونظامها جمهوري ديمقراطي» فنكون بهذه الصيغة، قد وسّعنا في مبدإ المشاركة من خلال ما يجمع المواطنين وحددنا اللغة والدين والجغرافيا والنظام السياسي باعتبارها روابط بينهم.

فاللغة لغة الشعب أي لغة الانسان والدين دين الشعب أي دين الانسان حتى لا نسقط في مغالطة لغة الدولة ودينها.

فقط الانسان له لغة ودين، أما المؤسسات فهي مرفق للناس أي للمواطنين.

منجي الخضراوي