دولة بلا هوية ولا لغة ولا دين
من المسائل التي تثير جدلا في الأوساط السياسية والفكرية، منذ الثورة هي تحديد هوية الدولة وبالتالي تحديد ركائز تلك الهوية، منذ الفصل الأول للدستور.
عندما نطرح مسألة الهوية، فإن ذلك يعني أننا نبحث عن الثابت فالهوية بمعنى ما، هي ما لا يمكن أن يكون خلافا لما هو عليه، أي ما هُوَ هُوَ، أي الشيء الذي يظل كما هو، ولا يمكن أن يكون ما ليس هو، أي لا يمكن أن يكون غيره، وهو ما يعني أنه يمثل حالة الثبات. فما هو الثابت، الذي لا يمكنه أن يكون خلافا لما هو عليه؟
بمعنى آخر ما هو الشيء الذي لا يتغيّر؟
فالثابت هو غير القابل للتغيير، والثابت من منطلق الهوية، هو غير الخاضع للزمان وللمكان، فالتغيّر والتغيير، لا يكون إلا داخل الزمان وفي مكان، وبالتالي، لا تغيير إلا داخل التاريخ لأن التاريخ هو حركة الزمان في المكان.
إذن أبرز خصوصية للتغيير واللاثبات هو «الانوجاد» (أي الوجود الذاتي) خارج التاريخ وعدم الخضوع لمنطق التغيير وبالتالي عدم الخضوع لمنطق الزوال والفساد بمعنى الفناء.
فالثابت، هو الخارج عن التاريخ وغير الخاضع وبالتالي يمكننا أن نستنتج أن الخارج عن الزمان وعن المكان وغير الخاضع للزوال والفساد والفناء، لن يكون غير المطلق.
والمطلق بهذا المعنى، إما أن يكون قد وُجد قبل الزمان أو هو من خلق الزمان وبالتالي يكون قد أوجد نفسه بنفسه أي أن وجوده لا يحتاج لغيره. إذن تصبح الهوية هي المطلق الخارج عن الزمان.
فما الذي يمكن أن يمثل هوية / مطلقا يكون منطلقا في الدستور.
أعتقد أننا إزاء مغالطة.
ربما طرح الموضوع من زاوية الماهية، أي ماهية الدولة، قد يكون أكثر دقّة، فالماهية وهي بيان حقيقة الشيء وذاته التي تخصّصه وتغطيه تميّزا عن غير أو عن خلافه.
كالقول ما هو الانسان أو ما هي البلاد؟
وعندما نقول ما هي تونس بالنسبة إلينا كتونسيين، فإننا نبحث عن المحمول الذي ميّز تونس البلاد عن غيرها أو يعرّفها تعريفا جامعا أو تجميعيا.
ولنبدأ بالمسلمات ونبحث عما يستتبعها وجوديا ثم فكريا ثم على مستوى الممارسة والقيم وبالتالي السياسة والأخلاق.
المسلمة الأولى: إن الناس، في هذه الأرض التي اسمها تونس يتكلمون العربية.
إذن لغتهم العربية.
والمسلمة الثانية: ان أغلبية المتكلمين للعربية من أولئك الناس هم مسلمون، فالاسلام دينهم.
والمسلمة الثالثة: تقول إن أولئك الناس، يعيشون على أرض واحدة اسمها تونس ولهم لغة جامعة هي العربية ولهم تاريخ واحد، فهم إذن شعب.
ولاستتباع تلك المسلمات لا بد من إيجاد فرضيات ونبحث عن مدى انطباقها واقعا.
أبرز هذه الفرضيات، أن أولئك الناس الذين يكونون شعبا ويعيشون على أرض اسمها تونس ولغتهم العربية ودينهم الاسلام، يريدون العيش مع بعضهم بعضا في سلام ودون قتال، فهم يريدون التعاقد فيما بينهم ويختارون وازعا يزع بعضهم عن بعض يختزلون فيه قوّتهم وإرادتهم لضمان تواصلهم وبقائهم دون تناحر.
الواقع السياسي والتاريخي يفيد بأن الدولة هي الماهية الثانية لتلك المجموعة البشرية أي للتونسيين.
وإن التعاقد فيما بينهم والعقد هنا هو الدستور ـ هو ما يجعلهم مواطنين، وللمواطنين وطن.
اما الفرضية الثانية، فإنهم يريدون الاتفاق على ذلك العقد رغم اختلاف وجهات النظر بينهم.
بمعنى أنهم يبحثون عن الوحدة التي تشمل الكثرة، أي النظام أو الأسلوب السياسي الذي يجمعهم ويوحدهم رغم اختلاف وجهات النظر.
أي البحث عن دولة ناتجة عن تعاقد بين مواطنين في وطن يستوعب الاختلاف، وهي ميزة الدولة المدنية أي الدولة التي يكون فيها التعاقد (الدستور) نتاج اتفاق قوى مدنية، لتنظيم علاقات الناس باعتبارهم مواطنين.
فنحن إذن أمام جمهورية يختلف فيها الناس ويسنّون أحكامهم وقوانينهم فيما بينهم، ويحتكمون فيها إلى بعضهم بعضا لاختيار الوازع الذي يزع بعضهم عن بعض وهو ما يسمى بالحاكم المنتخب من قبل الشعب، ليحكمه من خلاله وعبره. وهذا هو المفهوم الحديث للديمقراطية.
ويعتبر المواطنون في هذه الجمهورية أن دولتهم مستقلة وحرة وديمقراطية، وبالتالي، إذا أردنا القيام بعملية تركيب لما تم تفكيكه، فإنه يمكننا أن نقول «إن تونس دولة حرة مستقلة، لغة شعبها العربية ودينه الاسلام، ونظامها جمهوري ديمقراطي» فنكون بهذه الصيغة، قد وسّعنا في مبدإ المشاركة من خلال ما يجمع المواطنين وحددنا اللغة والدين والجغرافيا والنظام السياسي باعتبارها روابط بينهم.
فاللغة لغة الشعب أي لغة الانسان والدين دين الشعب أي دين الانسان حتى لا نسقط في مغالطة لغة الدولة ودينها.
فقط الانسان له لغة ودين، أما المؤسسات فهي مرفق للناس أي للمواطنين.
منجي الخضراوي




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق