احتقان في الإذاعة والتلفزة:صحفيّون وتقنيّون بلا صفة.. أجور مجمّدة..والاتّفاق مع الوزير يتعثّر!!
عادت حالة التململ والاحتقان في صفوف عدد من الصّحفيين والتقنيين بمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسيّة خلال الفترة الأخيرة، بعد تعثّر تطبيق الاتّفاق الذي عقدته النّقابة الوطنيّة للصّحفيين التونسيين مع وزير الاتصال والقاضي بإيجاد تسوية مؤقّة لوضعيّة 64 صحفي متعاون داخل المؤسّسة في انتظار إعادة هيكلة العمل بعد الفصل الإداري والمالي بين الإذاعة وبين التلفزة.1- أجور مجمّدة.. وصحفيّون دون هويّة! نصّ الاتّفاق المبرم بين النّقابة ووزير الاتّصال و الذّي وقع تجاهل تطبيقه على تعميم التغطية الاجتماعيّة ورفع الأجر الأدنى للصّحفيّين المتعاونين إلى 500 دينار شهريّا في انتظار إجراء مناظرة انتداب داخليّة، وقد تضمّن الملف الذي أمدت به النقابة وزير الاتّصال خلال شهر فيري 2008 أكثر من 120 حالة بين صحفيين وتقنيين، وعد الوزير بأنّ يقع تدارسه حالة بحالة، إلا أن يتحدّد موعد إجراء المناظرة في أجل لا يتجاوز 6 أشهر من تاريخ الاتّفاق.إلاّ أنّ الاتّفاق المؤقّت لم يدخل حيّز التطبيق بعد، وهو ما زاد في تعكير الوضع المهني للصحفيين بالمؤسسة، حيث تواصل تجميد أجور عدد كبير من "المتعاونين الوقتيين" منذ شهر نوفمبر 2007، كما تواصلت الهشاشة في صيغ التعاقد، فلم يقع تمكين الصّحفيين من أيّ وثيقة تثبت تعاقدهم للعمل بالمؤسّسة، أو شارة دالّة على هويّتهم كصحفيين أثناء ممارسة المهنة. فقد اقتصر الأمر لدى أغلب العاملين في المؤسّسة (صحفيين، تقنيين، مخرجين، موظّفين، إداريين، عملة تنظيف أو حراسة..) على شارة دخول تختزل صفات حامليها في عبارة "متعاون خارجي"، وقد لا يتوفّر هذا "الامتياز" للجميع فهناك صحفيوّن بالمؤسّسة لم يقع تمكينهم من شارة دخول، حيث يضطرّون لحمل "بطاقة زائر" بعد ترك هويّاتهم لدى موظّفي الاستقبال عند الدّخول.أمّا عن صيغة الخلاص الشّهري لمستحقّات الصّحفيين ففضلا عن توقّف صرف الأجور لدى عدد كبير منهم منذ مطلع العام الجاري وتجاهل الإدارة لمستحقّات شهري نوفمبر وديسمبر من سنة 2007 فقد خضع جميع المتعاونين الوقتيين إلى ما يعرف بنظام "المنظومة الإعلاميّة" باعتماد بطاقة الإنتاج الشهري، حيث يقع احتساب منتوج الصّحفي بالقطعة ( 30دينار للروبرتاجات والتحقيقات الخارجيّة..350 دينار للتنشيط الشهري ...).وقد عمدت إدارة التلفزة اثر تحرّك النقابة الوطنيّة التونسيين ورفع مطالب صحفيي المؤسّسة إلى وزير الاتّصال في شهر فيفري 2008، إلى اقتراح تسوية وضعية بعض الصّحفيين من خرّيجي معهد الصّحافة وعلوم الإخبار وقع انتقائهم حسب معايير غامضة، ويتضمّن اقتراح التسوية إمضاء "عقد عمل مقابل ازدراء خدمة" وهو عقد مؤقّت ينتهي بانتهاء أجل العمل الذي يقدّمه الصحفي لفترة محدودة (انتهاء البرنامج..تغيّر البرمجة..)، ولا يتجاوز أجر الصّحفي الذي ينصّ عليه العقد في أقصى الحالات أكثر من 350 دينار شهريّا باعتبار نظام عقود التربّص .ونظرا لغياب صفة تعاقد واضحة فقد حرم أغلب الصّحفيين خاصة الشبّان منهم الملتحقين بالمؤسّسة في أواخر 2007 من حقّهم في التغطية الاجتماعيّة، وشهادة الخلاص، وجميع المستحقّات المنصوص عليها في قانون الشغل، على اعتبار أنّ صفة "الصّحفي المتعاون" غير منصوص عليها في القانون الأساسي الذي ينظّم العمل داخل المؤسّسة. وقد خلق هذا الفراغ التشريعي والتّجاوزات الصّارخة للحقوق ،حالة من التوجّس والخوف لدى الصّحفيين الذي يتمتّع عدد كبير منهم بأقدميّة عمل تقارب 20 سنة من تسريحهم في أيّ لحظة سواء بشكل تعسّفي يقتصر على سحب شارة الدّخول الى المؤسّسة باعتبارها الصّفة الوحيدة التي تثبت العلاقة الشغليّة، أو تحت غطاء قانوني يتمثّل في مناظرة الانتداب الدّاخليّة المزمع تنظيمها ليقع انتقاء أشخاص دون غيرهم سوف تشملهم عمليّة "تسوية الوضعيّة".ومن الوضعيّات اللافتة كذلك داخل مؤسّسة التلفزة وتحديدا في القناة الفضائيّة 21 هي وضعيّة الفريق الذي أوكلت لهم مهمّة إعداد الومضات، والمتكوّن من منتج ومخرج وصحفيي، خصّصت لهم قاعة للتركيب، ولم تسوّي أوضاعهم الماديّة منذ أشهر ممّا حدا بالمخرج إلى التلويح بإيقاف العمل. 2- مجلّة الإذاعة والتلفزة : تركة ثقيلة طال احتجابها!! اثر قرار الفصل الإداري والمالي بين الإذاعة والتلفزة التّونسيّة، سعى المسؤولون عن كلّ مؤسّسة إلى التنصّل من تبنّي مجلّة الإذاعة والتلفزة تجنّبا للأعباء الماليّة الإضافيّة، واستقرّ الأمر أخيرا على أن تفرد المجلة لمؤسّسة التلفزة، وقد أدّت فترة الشد والجذب حول مصير المجلّة إلى توقّفها عن الصّدور منذ نهاية سنة 2007 إلى حدّ الآن، وإحالة طاقمها المتكوّن من 8 "متعاونين قارّين"( يتقاضون أجرا شهريّا قيمته250 دينار) على الرّاحة القسريّة لمدّة 3 أشهر. ثمّ عادت المجلّة للنشاط من جديد. إلاّ أنّها لم تر النور على مستوى الصّدور والتوزيع، رغم أنّ العمل بداخلها يسير بصفة اعتياديّة منذ شهرين تقريبا، حيث يقع تكليف الصّحفيين بانجاز أعمالهم وتغطية عديد التظاهرات والأحداث ، لتبقى المادة حبيسة أدراج المسؤولين عن المجلّة في انتظار صدور العدد الأوّل بعد التوقّف. وقد خلق هذا التقطّع في سير العمل نوعا من التململ لدى بعض الصّحفيين العاملين فيها وزعزع ثقتهم في جدوى وقيمة أعمالهم المنجزة التي طال احتجابها (تغطية لمهرجان الموسيقى التّونسيّة لم تنشر بعد...!!).المسؤولون على المجلّة دأبوا على تبرير تعطّل صدورها بالصّعوبات الماليّة النّاتجة عن عمليّة الفصل الهيكلى بين الإذاعة والتلفزة مما نزع الصبغة الإدارية عن المؤسّستين، وقد عمدت المؤسّسة إلى إسناد عمليّة طباعة المجلّة للخواص بعد التخلّي عن خدمات المطبعة العموميّة "ساجاب" وتنظيم مناقصة في الغرض، ثمّ وقع تداول فرضيّة أن تتحوّل المجلّة إلى نشريّة داخليّة خاصّة بالتلفزة لتحجيم تكاليف الطباعة والنشر، لتتواصل حالة التردّد والضبابيّة في مصير هذه المجلّة ومصير الصّحفيين الشبّان العاملين فيها.3- التقنيّون: أعوان عرضيّون..ومصير مجهول!! رغم تلويحهم بالإضراب عن العمل والاعتصام في عديد المناسبات والتهديد بالتوجّه مباشرة إلى مؤسّسة الرئاسة، تواصل تدهور الوضع المهني للتقنيين داخل مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية، فعلى غرار الصّحفيين لا يحمل التقنيّون ما يثبت تعاقدهم مع المؤسّسة سوى شارة الدّخول، وتنسحب على أغلبهم صفة العون العرضي، ويقسّمون إلى نوعين رئيسين:المتعاون القار الذي يعمل بنظام القطعة(الحصّة) كالمخرج والمصوّر، والذين تحدّد أجورهم حسب ما تتضمّنه مذكّرة الخلاص من أعمال منجزة، فضلا عن منحة العمل الخارجي المرصودة للمصوّرين (15 دينارا عن كلّ عمليّة تصوير خارجي)، ويمكن لإدارة المؤسّسة أن تتخلّى عن أي عون من هؤلاء بمجرّد انتهاء مدّة العمل (برنامج..مسلسل..).أمّا الصنف الثّاني من التقنيين فيتمثّل في: تقنيي الصّوت والإضاءة و "الماشينست"...ويتقاضى هؤلاء أجرا شهريّا لا يتجاوز 306 دينار، ويمكن أيضا لإدارة المؤسّسة التخلّي عنهم متى تشاء لعدم وجود أي سند تعاقد يحميهم من إمكانيّة الطرد التعسّفي، هذا فضلا عن حرمانهم من التغطية الاجتماعيّة ومنح الإنتاج وشهادة الخلاص الشهري...وقد تلقّى تقنيّو الإذاعة والتلفزة وعودا في عديد المناسبات بتسوية أوضاعهم المهنيّة لم تتجسّم الى اليوم ، وهم في انتظار ردّ مؤسسة الرئاسة بعد أن أودعوا عريضة في شهر فيفري 2008 لدى مكتب العلاقات مع المواطن في المؤسّسة تضمّنت قائمة بأكثر من 180 تقني بقيت وضعيّات أغلبهم عالقة منذ سنة 2001.ففي2001 وقع انتداب أكثر من 170 تقني لتأمين نقل فعاليات ألعاب البحر الأبيض المتوسّط، وقد صدر آنذاك أمر رئاسيّ يقضي بتسوية وضعية التقنيين داخل المؤسّسة إلا أنّ الإدارة تجاهلت ذلك ليسمرّ الوضع على ما هو عليه ، رغم تلويح التقنيين بالإضراب في أكثر من مناسبة.4- تدخّل النقابة: التشبّث بالحوار رغم تعثّر الاتّفاقعقب تصاعد احتجاجات صحفيي وتقنيي الإذاعة والتلفزة على تدهور الوضع المهني خلال شهر فيفري 2008 وتلويحهم بالاعتصام في مقرّ النقابة الوطنيّة للصّحفيين التّونسيين، رفع مكتب النقابة الملف إلى وزير الاتّصال حيث توصّل الطرفان إلى اتّفاق ينصّ على تسوية وقتيّة لم يحدد تاريخ دخولها حيّز التطبيق، في انتظار إجراء مناظرة الانتداب الداخليّة، وقد عبّر صحفيّو المؤسّسة خلال الاجتماع الإخباري الذي عقدته النقابة يوم 29 فيفري2008 عن تخوّفهم من المماطلة في تطبيق الاتّفاق الذي لم تقع جدولته، وشكك البعض في مصداقيّة نتائج المناظرة الداخليّة التي سوف يتم على إثرها تسوية الوضعيّة المهنيّة للناجحين بصفة نهائيّة، إذ اعتبر البعض أنّ المناظرة هي مجرّد مظلّة قانونيّة لعمليّة الانتداب الانتقائيّة التي تخضع للولاءات والعلائقيّة، وقد تنتهي بالتخلّي على عدد من الصحفيين المتمتّعين بما يقارب 20سنة اقدميّة. إلا أنّ احد المتدخّلين نبّه إلى أنّ الإذاعة والتلفزة التّونسيّة هي مؤسسة محكومة بقانون الوظيفة العموميّة لذلك تعتبر المناظرة المدخل القانوني الوحيد للعمل.وبعد مرور ثلاثة أشهر دون أن يقع تطبيق ما التزم به وزير الاتصال مع النقابة بخصوص اتّفاق التسوية الوقتيّة ،دعت النقابة إلى اجتماع تضامني مع الصّحفيين "المتعاونين" في الإذاعة والتلفزة يوم 9 ماي 2008 صدرت على إثره لائحة تؤكّد على " التمسّك بأسلوب الحوار لإيجاد الحلول للمشاكل العالقة"، وتعلن في المقابل عن "الاستعداد لخوض كلّ الأشكال النضاليّة المتاحة" للدّفاع عن حقوق صحفيي الإذاعة والتلفزة. وقد تمّ خلال اللقاء التضامني تطارح عديد الخيارات من أجل الضغط على السلطات المعنيّة من للتسريع بتسوية وضعية الصّحفيين، من بينها التلويح بحمل الشّارة الحمراء، والتهديد بالإضراب عن العمل، أو اللّجوء إلى رفع دعوى قضائيّة ضد السلطات المعنيّة.إلاّ أنه ورغم حماسة أجواء اللقاء التضامني وجرأة الأشكال "النضاليّة" المقترحة خلاله فانّ هناك عديد المعرقلات التي قد تقوّض كلّ مبادرة تحرّك نقابي أو تنسيق مع المعنيين بالأمر من أجل حمل إدارة المؤسّسة والوزارة على الاستجابة لمطالب الصحفيين وتتمثّل هذه العراقيل في:* تأكيد النقابة في أكثر من اجتماع على صعوبة التحرّك داخل مؤسّسة الإذاعة والتلفزة التونسيّة نظرا لحساسيّتها باعتبارها "مؤسّسة سيادة" لم تشهد على امتداد فترة طويلة تقاليد في العمل النقابي أو تحرّكات الاحتجاجيّة جماعيّة..* الضّغوط الكبيرة المسلّطة على الصّحفيين العاملين بالمؤسّسة والرقابة المشدّدة عليهم من طرف الإدارة وذلك بتفشّي سلوك الوشاية والدسّ والمكيدة وهو ما عفن الأجواء المهنيّة وغذي الفرقة والاحتراز لدى العاملين فيها تجاه بعضهم البعض و حال دون أي عمليّة تنسيق أو بلورة موقف مشترك. فعلى سبيل الذكر تردّد أنّ بعض العاملين في المؤسّسة عمدوا إلى تسجيل مداخلات زملائهم أثناء اللقاء التضامني الذي نظّمته النقابة يوم 9 ماي 2008 ورفعوا تقارير مفصّلة إلى إدارة المؤسّسة.* هشاشة صيغ التعاقد التي تربط الصّحفيين بالمؤسّسة تغذي لديهم الخوف المتواصل من عمليّات الطرد العشوائيّة التي قد تتهددهم في صورة المشاركة في أيّ عمل احتجاجي.* تعمد إدارة المؤسّسة إلى استدراج بعض الصّحفيين بطرق فرديّة عن طريق إغرائهم بإمكانيّة تسوية وضعيّاتهم بغرض عزلهم على الحراك الجماعي وتخفيف وطأة الضغط المسلّط عليها. **ملاحظة : نتمنّي أن يكون قطع المكالمات الهاتفيّة التي أجريناها لاستقاء المعلومات حول أوضاع الزّملاء داخل مؤسّسة الإذاعة والتلفزة التونسيّة ( حرصا على استقاء الخبر من مصادره الأساسيّة) ناجم عن أسباب تقنيّة ولا يعود لقرار من وقع الاتصال بهم، لأنّه وان كان من السهل،حسب التقاليد، تقبّل هذه الممارسات من المؤسّسات العموميّة أو الخاصّة، فانّه من المؤسف جدّا تقبّل ذلك من طرف مسؤولين في نقابة الصّحفيين!!
توفيق العيّاشي
تونس بتاريخ 15/05/2008رابطة الكتاب التونسيين الأحرار
(المصدر: صحيفة "مواطنون"، لسان حال التكتل الديمقراطي للعمل والحريات، (أسبوعية معارضة – تونس)، العدد 63 بتاريخ 21 ماي 2008)




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق